
وصلت إلى فندق «رامادا» آنذاك في شارع «ميكلغيت». ألقيت حقائبي، واستلقيت قليلًا، ثم أخذت دشًا منعشًا وبدّلت ملابسي. كان لا يزال في النهار متّسع، فقررت ألا أترك صباح الغد للمصادفة؛ سأخرج لأتعرّف إلى طريق المعهد، وأحسب المسافة من الفندق، حتى لا أبدأ يومي الأول تائهًا في البحث عنه.
خرجت مشيًا. سلكت «بريدج ستريت»، وعبرت نهر «أوس»، حتى وصلت إلى «كوني ستريت»؛ شارع أثري طويل، يمتد بانحناءة، لا تدخله السيارات، وتصطف على جانبيه المحال والعلامات التجارية، ويتدفق فيه الناس بلا انقطاع.
كنت أمشي في الجهة اليمنى كعادتي، لكن القادمين نحوي ظلوا يكادون يصطدمون بي، وكأنني أقود سيارة عكس اتجاه السير، ولكن على قدمي. بعد نظرات مستغربة وتضايق متبادل، فهمت أن للمشاة هنا أيضًا مسارهم: كانوا يلتزمون اليسار، مثلما يفعلون في السيارات. انتقلت إلى الجهة الأخرى، وواصلت السير مع التيار.
وصلت إلى معهد «English in York» في شارع كوني. كان مغلقًا. وقفت أمام بابه، وحسبت في ذهني الوقت والمسافة من الفندق، ثم أكملت طريقي.
أخذتني الشوارع الفرعية إلى «ذا شامبلز»؛ شارع ضيق مرصوف بالحجر، لم أنسه منذ ذلك اليوم. تحفّ به مبانٍ عتيقة يتجاوز عمر بعضها خمسة قرون، فيما تستقر داخلها متاجر حديثة. كان الماضي هناك حيًّا، لا معروضًا خلف زجاج؛ ولم يكن ينقص المشهد سوى صهيل الخيول، وقرقعة العربات، وثياب أهل الأزمنة القديمة.
مشيت بحماس أراقب الوجوه وأصغي إلى الأصوات. بدت لهجة أهل يورك صعبة الالتقاط على أذني. وأخبرني معلمو اللغة الإنجليز لاحقًا بأن اللهجات تزداد صعوبة كلما اتجهنا شمالًا، بينما يكون النطق في الجنوب أوضح وأسهل في مخارج الحروف، ويطلقون على الإنجليزية المعيارية الواضحة «Queen’s English»؛ لغة الملكة.
ولم تكن يورك آنذاك تشبه لندن في تنوعها. كان الإنجليز يشكّلون الغالبية العظمى من سكانها، ونادرًا ما كنت أرى أجنبيًا، باستثناء بعض الطلبة وأصحاب المطاعم الهندية والتركية.
خرجت لأحفظ طريق المعهد، لكنني عدت وقد بدأت أحفظ شيئًا من طريقة المدينة في السير والكلام والعيش. لم أعد سائحًا يمر بها؛ كنت طالبًا جديدًا يحاول أن يجد موضع قدمه فيها، ولو بدأ ذلك بالانتقال من يمين الرصيف إلى يساره!

