من دفتر المهنة
الصفحة السابعة
عند بوابة يورك… كان «القلب الشجاع» ينتظرني

غادرت لندن صباحًا على متن قطار سريع متجه إلى يورك. وبعد نحو ساعتين، توقّف القطار، فنزلت أجرّ خلفي حقيبة سفر كبيرة وثقيلة، وعلى ظهري حقيبة أخرى.
خرجت من المحطة، وكان الصباح لا يزال شابًا. أمامي موقف سيارات الأجرة، ومقابل المحطة مباشرة امتدّ سور يورك التاريخي المُبهر، كأنه أول من استقبلني في المدينة. كان الهواء أصفى وأنقى من هواء لندن بمراحل.
لفتتني اللافتات داخل المحطة وفي الشارع، بخطوطها القديمة وهيئتها العتيقة. لم تكن المدينة تخفي عمرها أو تحاول أن تبدو جديدة؛ كان التاريخ حاضرًا في تفاصيلها اليومية. بدا لي أن الإنجليز لا يحفظون إرثهم خلف زجاج المتاحف فقط، بل يتركونه حيًا في الشوارع؛ يمشون إلى جواره، ويمرون من خلاله. ومن الوهلة الأولى، شعرت أنني أمام شعب يعرف من يكون، ويعتز بما ورثه. وقد سُميت مدينة نيويورك الأمريكية نسبة إليها، أي يورك الجديدة!
سرت على الرصيف أسحب حقيبتي، والسور إلى يميني، متجهًا إلى الفندق الذي حجزته داخل المدينة. وكان عليّ أن أعبر «ميكلغيت بار»، وهي بوابة يعود قوسها الخارجي وجزء كبير من ممرها إلى أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، وتعلوها طوابق أضيفت في القرن الرابع عشر الميلادي.
أذهلني أن بوابة بهذا العمر ما تزال جزءًا من طريق يومي؛ كانت السيارات تمر من تحتها، كأن الماضي يفسح للحاضر طريقًا.
كلما اقتربت منها ورفعت بصري إلى حجارتها، خَفّتْ في أذني صوت عجلات الحقيبة، وارتفع مكانها صوت صرخات المحاربين وصليل السيوف وصهيل الخيول. رأيت في خيالي «ويليام والاس» ورجاله، بالصورة التي رسخها فيلم «القلب الشجاع» في ذاكرتي، وقد أسقطوا يورك واستولوا عليها.
لم يكن ذلك تاريخًا كما وقع، بل كما صنعته السينما في خيالي. ومع ذلك، كان المشهد حيًا؛ ظل المحاربون عند البوابة، حتى أعادتني السيارات المارة من تحتها إلى صباح يورك.
تقدّمت، وعبرت بوابة «ميكلغيت بار».
دخلت يورك…
لم أكن أعبر بوابة مدينة فحسب؛ كنت أدخل عالم الابتعاث الحقيقي: عالم العلم والغربة، والعيش بين الإنجليز.


