العودة إلى الفهرس

من دفتر المهنة

الصفحة السادسة

رائحة لندن

تاريخ النشر: ١٧ أغسطس ٢٠٢٦مزمن الحكاية: نهاية أبريل ٢٠٠٩م
عبدالعزيز الفريح في محطة قطار في لندن عام 2009
لندن، ربيع 2009م؛ في الطريق إلى يورك.

بعد نحو ست ساعات من مغادرة الرياض، هبطت الطائرة في مطار هيثرو بلندن.

كان الليل قد تأخر، لكنني ما إن خرجت من هيثرو حتى استقبلني شيء لم أنسه حتى اليوم:

رائحة الهواء.

كان باردًا، نقيًا، ومنعشًا بصورة لم أعتدها. كنت أتنفس بعمق، وكأنني أكتشف الهواء للمرة الأولى.

كانت نهاية أبريل عام ٢٠٠٩م، والربيع قد بدأ يعلن عن نفسه. الأشجار تستعيد خضرتها، والزهور تتفتح، ولندن تبدو لي كما كنت أراها في صور والدي والأفلام…

لكنها هذه المرة أمامي.

ركبت إحدى سيارات تاكسي لندن السوداء الشهيرة، وجلست أراقب المدينة من النافذة.

المباني العريقة، الحافلات الحمراء، سيارات الأجرة السوداء، الأشجار، الشوارع، والناس يمشون على الأرصفة…

كل شيء كان جديدًا.

وصلت إلى فندق قريب من الملحقية الثقافية السعودية في منطقة تشيسك الهادئة والراقية. وضعت حقائبي، ثم خرجت أبحث عن عشاء.

أخذت أمشي على الرصيف الواسع في «تشيسك هاي رود»، مرتديًا معطفي، ونسمات الهواء الباردة تداعب وجهي، تتخللها رشات لطيفة جدًا من المطر.

كانت برودة جميلة.

وجدت مطعمًا إيطاليًا هادئًا، استقبلتني النادلة بابتسامة وترحيب دافئ، فجلست في إحدى زوايا المطعم المطلة على «تشيسك هاي رود».

أمامي شمعة صغيرة، وفي المكان موسيقى جاز خافتة لا أنساها.

وأنا أنتظر طبق العشاء، أتأمل الناس يمشون في الشارع والسيارات المارة، تذكرت أنني قبل ساعات فقط كنت أبكي وأنا أودع أمي وإخوتي وأصدقائي في الرياض.

والآن أجلس مغتربًا في لندن…

في صفحة جديدة من حياتي.

في صباح اليوم التالي خرجت إلى شوارعها وقد اكتست بضوء الربيع وصفاء الجو ونقاء الهواء، وتوجهت مشيًا إلى الملحقية الثقافية السعودية، سجلت ملفي، وسلمت الأوراق التي حملتها معي من الرياض، وأنهيت الإجراءات.

ثم عدت إلى الفندق، حملت حقائبي، واتجهت إلى محطة القطار الشهيرة والعريقة «كينغز كروس».

لم تكن لندن وجهتي الأخيرة.

كان عليّ أن أذهب أبعد…

إلى «يورك» التاريخية.