العودة إلى الفهرس

من دفتر المهنة

الصفحة الثالثة

مكتب 179-1

تاريخ النشر: ٤ أغسطس ٢٠٢٦مزمن الحكاية: عام 2003م
المخرج سعد الفريح في مكتبه داخل مبنى التلفزيون السعودي
المخرج سعد الفريح في مكتبه؛ المكان الذي كان يسبق فيه الخيالُ الصورة.

قبل أن أقف أمام الكاميرا بسنوات… كنت أقف أمام باب يحمل رقمًا لم أنسه حتى اليوم: 179-1.

في عام 2003، كنت طالبًا في معهد الإدارة العامة، وأتردد مساءً على مبنى التلفزيون السعودي لتلبية طلبات والدي، المخرج سعد الفريح. كان مكتبه كبيرًا أشبه بمنزل صغير داخل المبنى؛ غرفة مونتاج، وسرير للراحة، وثلاجة صغيرة، وخزانة ملابس، وكل ما يحتاجه ليواصل العمل لساعات، بل لأيام، دون أن يغادره. كانت زواياه تغمرها إضاءة دافئة خافتة، وتنساب على جدرانه نباتات متسلقة، وإذا لم يكن يستعرض اللقطات على شاشة المونتاج، جلس يكتب على وقع موسيقى رومانسية هادئة يعلو فيها صوت البيانو، حتى بدا المكان أشبه بغرفة يختبئ فيها الخيال… لا بمكتب داخل مبنى التلفزيون.

كان يستخرج لي تصريح دخول، فأعبر البوابة وأتجه مباشرة إلى مكتبه في الدور الأول.

في إحدى الليالي، جلست بجواره داخل غرفة المونتاج. كانت الكراتين المكدسة حولنا مليئة بأشرطة البيتاكام. يشاهد شريطًا تلو الآخر، ثم يدون في نموذج ورقي زمن كل لقطة ومحتواها، حتى يعرف لاحقًا أين يجد المشهد الذي يبحث عنه.

لم أكن أدرك حينها أنني لا ألبي طلبات والدي فحسب… بل أتلقى أول درس عملي في صناعة الفيلم الوثائقي.

بعدها أصبحت أرافقه إلى مكتبة أرشيف التلفزيون لاستعارة الأشرطة، ثم نعود بها إلى المكتب، فأجلس إلى جواره أدون ملاحظاته، قبل أن أبدأ لاحقًا باستخدام الحاسب لكتابة أفكاره وتنظيمها.

لكن أكثر ما كان يثير فضولي ذلك الركن الصغير الذي يضم عشرات أشرطة الكاسيت. كان يشغّل مقطوعة موسيقية، ثم يغمض عينيه طويلًا. لم يكن يسمع الموسيقى فقط… كان يشاهد فيلمًا كاملًا لا يراه أحد سواه، ثم يبدأ رحلة البحث عن الصورة التي تستحق ذلك اللحن.

هناك… فهمت للمرة الأولى أن الفيلم لا يُصنع بالكاميرا وحدها، بل يولد أولًا في خيال المخرج.

في تلك الفترة، كان يعمل على الفيلم الوثائقي «أسماء في الذاكرة – هذا هو عبدالعزيز»، الذي استغرق إنجازه نحو عام كامل، وكان كثيرًا ما يردد بيت الشاعر محمد بن عثيمين:

أرضيتَ آباءَكَ الغُرَّ الكرامَ بما جددتَ من مجدِهم من بعدِ ما بانوا

اليوم، أدرك أن بدايتي لم تكن عندما وقفت أمام الكاميرا عام 2006.

لقد بدأت قبل ذلك بسنوات…

في ذلك المكتب..

بين أشرطة البيتاكام، ودفاتر الملاحظات، والموسيقى التي كانت تسبق الصورة.

وربما لهذا السبب، وقفت أمام باب الدكتور سليمان العيدي طالبًا العمل خلف الكاميرا… كانت بانتظاري جملة واحدة غيّرت المسار:

«أراك أمام الكاميرا.»

لوحة باب المكتب رقم 179-1
الرقم الذي بقي في الذاكرة: 179-1.
غلاف فيلم هذا هو عبدالعزيز للمخرج سعد الفريح
غلاف «هذا هو عبدالعزيز» — إعداد وسيناريو وإخراج سعد الفريح.
الغلاف الخلفي لفيلم هذا هو عبدالعزيز
من المواد المحفوظة للفيلم الوثائقي.