العودة إلى الفهرس

من دفتر المهنة

الصفحة الرابعة

ذلك الصباح… دخل سليمان العيسى!

تاريخ النشر: ٥ أغسطس ٢٠٢٦مزمن الحكاية: بداية عام 2009م
الإعلامي الراحل سليمان العيسى
سليمان العيسى، رحمه الله.

في بداية عام 2009، عقدت العزم على دراسة الإنتاج التلفزيوني والسينمائي في بريطانيا. لكن الطريق إلى الابتعاث لم يكن سهلًا؛ فالمقاعد كانت محدودة، والمتقدمون بالآلاف.

لم أعرف طريقًا سوى المحاولة.

لمدة شهرين كاملين، كنت أصل إلى وزارة التعليم العالي قبل السابعة صباحًا، وأغادر بعد الثالثة عصرًا. أقف كل يوم أمام باب أحد المسؤولين، منتظرًا فرصة أشرح فيها حلمًا أؤمن به.

كانت الأيام تمضي، ولا يتغير شيء.

في المنزل، كانت والدتي تراقب ذلك المشهد بصمت. كانت تراني أعود كل يوم وقد أنهكني الانتظار، لكنها كانت ترى أيضًا إصرارًا لا يعرف التراجع.

وفي أحد الأيام، لم تعد تحتمل أن تراني على هذه الحال؛ أخرج كل صباح، وأعود كل مساء بالنتيجة نفسها، مثقلًا بخيبة الأمل.

رغم حيائها الشديد، رفعت سماعة الهاتف، وتواصلت مع الإعلامي الراحل ⁧‫#سليمان_العيسى‬⁩ ،رحمه الله، الذي جمعته بوالدي صداقة وزمالة امتدتا لعقود. حدثته عن إصرار شاب يقف منذ شهرين أمام بابٍ واحد؛ لأنه يؤمن بحلمه.

لم يكتفِ بالاتصال.

حضر بنفسه إلى الوزارة، وأمسك بيدي، وسار بي إلى مكتب المسؤول.

ثم قال له:

«والده أفنى عمره في خدمة الوطن… أفلا يستحق ابنه أن يكون واحدًا من بين آلاف المبتعثين؟»

ساد الصمت للحظات.

ثم طلب مني المسؤول الجلوس.

بعد دقائق، خرجت من مكتبه وأنا أحمل الموافقة التي انتظرتها شهرين كاملين.

كلما تذكرت ذلك الصباح، لم أتذكر الموافقة أولًا، بل تذكرت موقف رجلٍ شهم لم يكن ملزمًا بأن يترك أعماله. ورغم كبر سنه، وحجم مسؤولياته، جاء بنفسه من أجل شاب يحاول أن يحقق حلمه.

رحم الله سليمان العيسى، ورحم والدي، وحفظ الله والدتي.

علّمني ذلك اليوم أن بعض الناس قد يغيّرون مسار حياتك، ليس بكثرة ما يقولون، بل لأنهم حضروا في اللحظة التي كنت في أمسّ الحاجة إليهم.