من دفتر المهنة
الصفحة الثانية
كنت أبحث عن والدي… دون أن أشعر..!

بعد أن أكملت ثلاث سنوات من العمل المستمر في التلفزيون معدًا، ومراسلًا، ومذيعًا… كنت أظن أنني وصلت إلى ما كنت أطمح إليه.
لكن شيئًا في داخلي لم يكن راضيًا.
نشأت في منزل كان الإعلام والفن فيه مهنة… لا وظيفة. كان والدي، المخرج الرائد سعد الفريح، يؤمن بأن الإبداع لا يُمارس بالموهبة وحدها، بل يُصقل بالعلم، والثقافة، والتجربة، والقراءة بالإضافة إلى الحُب والشغف.
كلما دخلت مبنى التلفزيون، مررت بالممرات التي عرفها أربعين عامًا، ورأيت مكتبه الذي شهد أجمل سنوات عطائه أقف متأملًا.
وبعد سنوات طويلة… أدركت شيئًا لم أكن واعيًا به آنذاك.
كنت أبحث عنه!
كنت أتنفس المكان الذي عاش فيه، وأحاول، دون أن أشعر في عقلي الباطن، أن يبقى اسمه حاضرًا… وكأنني أخشى أن يطويه النسيان.
لكنني اكتشفت أيضًا أن الحب وحده لا يصنع مهنة، وأن الشغف وحده لا يكفي.
كان عليّ أن أبدأ من جديد.
اتخذت قرارًا استغربه الجميع.
تركت عملي في التلفزيون، وبعت سيارتي، وقررت السفر إلى بريطانيا… البلد الذي عاش فيه والدي سبع سنوات من حياته، وكان يحدثني دائمًا عن عمق ثقافته وفكره وأدبه.
لم يكن القرار سهلًا.
كانت الإجراءات مرهقة، والخطوة مليئة بالمخاطرة، وكل من حولي كان يردد:
“تترك وظيفتك من أجل الدراسة؟!”
لكنني كنت مؤمنًا بأن بعض الرحلات لا تبدأ عندما تصعد إلى الطائرة…
بل تبدأ عندما تمتلك الشجاعة لتغادر حياةً يراها الجميع آمنة… من أجل حياة تؤمن أنت أنها تستحق أن تُعاش.