العودة إلى الفهرس

من دفتر المهنة

الصفحة العاشرة

الباوند الذي عاملته ريالًا!

تاريخ النشر: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦مزمن الحكاية: صيف 2009م
عبدالعزيز الفريح عند نافذة شقته في يورك عام 2009
في شقة «كينغ ستريت»، يورك — صيف 2009م.

خرجت من المعهد في استراحة الظهر، وفي يدي ساندويتش آكله وأنا أمشي. لم يكن أمامي سوى ساعة واحدة؛ أذهب خلالها إلى موعد لمعاينة سكن، ثم أعود قبل انتهاء الاستراحة.

قبل أسابيع، كنت أمشي كأنني سائح؛ أتأمل الناس والشوارع والبنيان، وأقرأ ما حولي. أما الآن، فكنت أمشي وأفكر، ولا أرى ما حولي. كنت مهمومًا؛ بالي مشغول بالدراسة، والبحث عن سكن، وما تبقى معي من مال. عندها فقط، شعرت أنني دخلت الغربة فعلًا.

بعد أن أنهيت إجراءات التسجيل في المعهد وإجراءات الإقامة لدى «الهوم أوفيس»، بدأت رحلة البحث عن مكان أعيش فيه. كنت في ذلك الوقت أقيم في فندق تبلغ يوميته سبعين باوندًا بريطانيًا، وكان الباوند الواحد يعادل نحو ستة ريالات ونصف الريال.

كنت أعرف هذه الحسبة جيدًا، لكنني كنت جديدًا على البلد؛ ولذلك كنت أتعامل مع الباوند في إنفاقي اليومي كأنه ريال واحد! كانت خمسة باوندات تبدو لي كأنها خمسة ريالات، بينما تعادل في الحقيقة أكثر من اثنين وثلاثين ريالًا.

وكان كل يوم إضافي في الفندق يعني سبعين باوندًا أخرى، إلى جانب الطعام من المطاعم؛ فلم يكن لدي مكان أطبخ فيه. لذلك صار العثور على السكن سباقًا مع نفاد ما معي. كنت لا أزال أنتظر صدور قرار ابتعاثي من وزارة التعليم، وكان كل شيء أدفعه من حسابي.

أما خيارات السكن، فإما أن تكون غالية جدًا، أو بعيدة عن المعهد، أو تقع فوق حانات وملاهٍ ليلية لا يتوقف فيها الإزعاج.

لجأت إلى استراحة الظهر لأن معظم مكاتب العقار كانت تغلق أبوابها بعد انتهاء الدراسة، ولأن كل معاينة تتطلب موعدًا.

استمر هذا الحال نحو شهر ونصف؛ الفندق يحسب عليّ كل ليلة، والطعام من المطاعم يوميًا، والميزانية تتناقص يومًا بعد آخر.

وجدت أخيرًا شقة صغيرة، أشبه ما تكون بالاستوديو، وسط المدينة، في شارع «كينغ ستريت»؛ شارع الملك. كان إيجارها ستمئة باوند شهريًا، ولا يفصلها عن المعهد سوى ثماني دقائق مشيًا.

غادرت الفندق أخيرًا، وتوقف عدّاد السبعين باوندًا اليومي. ظننت أن معاناة السكن انتهت. لم أكن أعرف أن التحدي الحقيقي لن يكون العثور على الشقة… بل القدرة على البقاء فيها!

المشهد من نافذة شقة كينغ ستريت في يورك
من نافذة شقتي في «كينغ ستريت»، يورك — صيف 2009م