العودة إلى الفهرس

من دفتر المهنة

الصفحة الحادية عشرة

هل صدر القرار؟

تاريخ النشر: ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦مزمن الحكاية: صيف 2009م
عبدالعزيز الفريح على بريدج ستريت المطل على نهر أوس في يورك
الصورة بعدسة علياء | «بريدج ستريت»، نهر «أوس» — يورك، 2009

مضى على وجودي في يورك قرابة ثلاثة أشهر، ولم يصدر قرار ابتعاثي.

كنت أتواصل مع الوزارة في الرياض وأسأل عن القرار. وفي كل مرة، كانت الإجابة أن أواصل الانتظار. كنت أعود إلى دراستي، ثم أعاود الاتصال بعد أيام، وأسمع الإجابة نفسها.

قبل مجيئي إلى بريطانيا، كنت قد بعت سيارتي وتركت عملي. ومنذ وصولي، كنت أدفع تكاليف الدراسة والسكن والمعيشة من مدخراتي، من دون أي مصدر للدخل.

وكانت زوجتي علياء معي منذ بداية رحلتي إلى بريطانيا. كنت أحمل وحدي عبء القرار والمال، وأشعر أن مسؤوليتها على عاتقي؛ أما هي، فكانت أنيستي وسندي المعنوي، تخفف عني وحشة الغربة.

مرت الأسابيع، واستمرت الدراسة، واستمر الانتظار.

كان المعهد ينظم أنشطة خارج الدراسة، وكان زملائي السعوديون وغيرهم من طلاب المعهد يخططون للرحلات والزيارات. كانوا يسألونني إن كنت سأذهب معهم، فأعتذر وأعود إلى شقتنا.

ومع ذلك، لم أتوقف عن التعلّم. كنت أكتب كل كلمة جديدة أسمعها في المعهد أو الشارع، وأبحث عنها في قاموس «أكسفورد»، ثم ألصقها عند مرآة الحمام، وفي مدخل الشقة، وعلى الجدار المقابل للسرير، وأستبدلها كل أسبوع بكلمات جديدة.

ثم مرضت أخت علياء مرضًا شديدًا، فطلبت علياء العودة إلى أهلها. حجزت لها تذكرة، وأوصلتها إلى مطار هيثرو. بكت بكاءً مريرًا؛ لم تكن تريد أن تتركني في تلك الظروف، لكن مرض أختها لم يترك لها خيارًا. غادرت علياء إلى السعودية، وعدت أنا إلى يورك وحدي.

بعد مغادرتها، تدهور حالي تدريجيًا. في الشقة، صرت أشرب الماء من الحنفية، وأتناول التوست مع شرائح الجبن. ثم جاء موعد دفع الإيجار للمرة الثالثة، ومعه الفواتير. عاودت الاتصال بالوزارة، وكان الرد نفسه: الانتظار.

كان زملائي السعوديون في يورك يعرفون أنني الوحيد في تلك الدفعة الذي لم يلتحق بالبعثة، فكانوا يبادرون إلى مساعدتي، وما زلت أحفظ لهم ذلك. ومن السعودية، كان الأقارب والأصدقاء يتصلون بي باستمرار للاطمئنان عليّ، ويعرضون الوقوف إلى جانبي.

وفي أحد الأيام، أصابني دوار، فسقطت. اتصلت بأحد زملائي السعوديين، فجاء إليّ وأخذني إلى المستشفى. أعطوني محلولًا مغذيًا، ووصفوا لي بعض المكملات الغذائية، ثم غادرت المستشفى وعدت إلى شقتي.

واصلت الانتظار أيامًا أخرى. وحين لم يبق لدي شيء، ولم يصدر القرار، اتصلت بوالدتي في الرياض وقلت لها:

— «يمّه!»… احجزي لي تذكرة عودة من لندن إلى الرياض.