العودة إلى الفهرس

من دفتر المهنة

الصفحة الثانية عشرة

عدتُ… لأعود!

تاريخ النشر: ٢ سبتمبر ٢٠٢٦مزمن الحكاية: صيف 2009م
الأرياف من نافذة القطار السريع بين يورك ولندن
من نافذة القطار بين يورك ولندن — صيف 2009م.

بعد قرابة أربع وعشرين ساعة من ذلك الاتصال، أرسلت إليّ أمي تذكرة العودة من لندن إلى الرياض.

لم يعد معي ما يكفيني لقوت يومي، ولم أرد أن أطلب من أحد. تواصلت مع مالك الشقة، «كارل». كانت بيننا مودة وثقة، فقلت له:

— «كارل»، سأذهب إلى الرياض لظرف مهم، وسأعود قريبًا. انتبه للشقة ولأغراضي.

استقللت القطار السريع من يورك إلى لندن. وضعت كفي على خدي، وأسندت رأسي إلى زجاج النافذة. كانت الأرياف تمر أمام عيني، لكنني لم أر منها شيئًا.

وصلت إلى محطة «كينغز كروس»، ثم استقللت خط «بيكاديللي» الأزرق إلى مطار هيثرو. بعد إجراءات السفر، وقفت أنظر إلى الهدايا والشوكولاتة. كان في جيبي خمسة جنيهات إسترلينية، وكنت أتمنى أن أحمل شيئًا لأهلي وأصدقائي بعد غياب ثلاثة أشهر.

وصلت إلى الرياض، فاستقبلتني أمي وإخوتي وأخواتي بحفاوة؛ لم أكن قد غبت عنهم هذه المدة من قبل. أعدّت أمي كبسة لحم حائلية، وملوخية، وسلطة، وكان الأهم: اللبن! أكلت بيديّ الاثنتين، وشربت اللبن، ثم استلقيت على سريري كالعائد من معركة. شعرت بطمأنينة وسكينة.. نمت اثنتي عشرة ساعة متواصلة، للمرة الأولى في حياتي.

استيقظت قبيل أذان الظهر، وتوجهت إلى وزارة التعليم العالي في حي الغدير. دخلت الصالة وصرخت:

— ماذا فعلتم بي؟!

أخذني الموظفون إلى مكتب جانبي، وطلب أحدهم رقم هويتي. أدخله، ثم ظل ينظر إلى الشاشة وإليّ.

— وش فيك ياخوي؟ روّعتني! وش صاير؟

— أنت رجعت أمس من لندن؟

— نعم!

أدار الشاشة نحوي، وقال:

— قرارك صدر صباح اليوم.

بقيت صامتًا، لا أتحرك. مرّت أمامي الأيام التي سبقت عودتي كشريط سريع في خيالي، وسألت نفسي: لماذا عدت؟ كان يناديني، وكنت أسمع صوته كأنه آتٍ من بعيد.

ناولني خطابًا:

— تفضل.

— ماذا أفعل به؟

— ارجع إلى لندن وسلّمه للملحقية. مبروك! وسيُصرف لك بأثر رجعي منذ وصولك الأول إلى لندن.

— متى لازم أرجع بريطانيا؟

— عندك شهر كامل قبل ما ترجع. ارتح مع أهلك، وبنصدر لك تذكرة العودة إلى لندن.

قلت: «الله يبشرك بالخير»، وسجدت لله في مكتبه.

عدت إلى البيت، واجتمعت بالأحبة. وبعد قرابة الشهر، عدت إلى يورك… ومعي الخطاب الذي انتظرته ثلاثة أشهر!